مقدمة
تُعد جمهورية تشاد إحدى الدول المحورية في قلب القارة الإفريقية، حيث تحتل موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يجعلها حلقة وصل بين شمال إفريقيا ووسطها وغربها. هذا الموقع، رغم ما يمنحه من أهمية جيوسياسية كبيرة، يضع البلاد في مواجهة مباشرة مع تعقيدات أمنية متشابكة تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، وهي من أكثر مناطق العالم هشاشة من حيث الاستقرار السياسي والأمني.
وتواجه المنطقة تحديات متنامية تشمل الإرهاب العابر للحدود، والنزاعات المسلحة، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، إضافة إلى الضغوط المتزايدة الناتجة عن التغير المناخي وشح الموارد. في هذا السياق، برزت تشاد كفاعل أمني رئيسي يسعى إلى احتواء هذه التهديدات على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
أولًا: الدور الأمني لتشاد على المستوى الوطني
على الصعيد الداخلي، تدرك تشاد أن تحقيق الأمن المستدام لا يمكن أن يعتمد على المقاربة العسكرية وحدها، بل يتطلب معالجة الجذور العميقة لعدم الاستقرار. ولهذا تعمل الدولة على عدة مسارات متوازية.
تعزيز القدرات العسكرية والأمنية
استثمرت تشاد بشكل ملحوظ في بناء جيش يُعد من أكثر الجيوش خبرة في منطقة الساحل، خصوصًا في القتال داخل البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية. وقد مكّنها ذلك من مواجهة الجماعات المسلحة، وتأمين حدودها الطويلة والمفتوحة نسبيًا، والقيام بعمليات استباقية ضد التهديدات الأمنية.
تحسين الحوكمة والاستقرار السياسي
تسعى السلطات التشادية إلى ترسيخ الاستقرار السياسي عبر إصلاحات مؤسسية، وتعزيز دور الدولة، وتقوية الإدارة العامة. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات مرتبطة بالإرث السياسي، وضعف بعض المؤسسات، إضافة إلى الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
التنمية كعنصر أساسي للأمن
تُعد معدلات الفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية من أبرز العوامل التي تغذي الهشاشة الأمنية. ومن هذا المنطلق، تحاول تشاد ربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما في المناطق الطرفية التي تُعد أكثر عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة.
ثانيًا: الدور الإقليمي لتشاد في منطقة الساحل
إقليميًا، تلعب تشاد دورًا يتجاوز حدودها الوطنية، حيث تُعد أحد الأعمدة الأمنية الأساسية في منطقة الساحل الإفريقي.
مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel)
تشاد عضو مؤسس في مجموعة دول الساحل الخمس التي تضم موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد. وقد وفّرت هذه المجموعة إطارًا للتنسيق الأمني والتنموي المشترك، بهدف مواجهة التهديدات العابرة للحدود بدل التعامل معها بشكل منفرد.
القوة المشتركة لمجموعة الساحل
برز الدور التشادي بشكل واضح داخل القوة المشتركة لمجموعة الساحل، حيث ساهمت تشاد بقوات مدربة وخبرات ميدانية معتبرة، جعلتها في كثير من الأحيان العمود الفقري للعمليات العسكرية ضد الجماعات المتطرفة في المنطقة.
المشاركة في عمليات حفظ السلام
ساهمت تشاد بقواتها في بعثات حفظ السلام، خاصة في مالي، في إطار دعم الاستقرار الإقليمي والمساهمة في مسارات السلام والمصالحة، وهو ما عزز صورتها كدولة تتحمل مسؤولياتها الأمنية خارج حدودها الوطنية.
ثالثًا: البعد الدولي والتعاون مع الشركاء
على المستوى الدولي، انتهجت تشاد سياسة تقوم على الشراكة الأمنية مع الفاعلين الدوليين، إدراكًا منها لطبيعة التهديدات العابرة للحدود.
التعاون مع المنظمات الدولية
تتعاون تشاد مع الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وحفظ السلام، وبناء القدرات الأمنية، مع الالتزام بالإطارات القانونية الدولية ذات الصلة.
الشراكات الثنائية
طورت تشاد علاقات أمنية مع قوى دولية كبرى، استفادت من خلالها من الدعم اللوجستي، وبرامج التدريب، والمساندة الاستخباراتية، ما عزز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية المعقدة.
الالتزام بالقانون الدولي
تحاول تشاد الموازنة بين المتطلبات الأمنية واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، خاصة في سياق العمليات العسكرية والتعامل مع قضايا اللاجئين والنازحين.
رابعًا: التحديات والقيود أمام الدور التشادي
رغم هذا الدور المحوري، تواجه تشاد قيودًا حقيقية تحدّ من فاعلية تدخلها، من أبرزها محدودية الموارد المالية مقارنة بحجم التهديدات، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وتعقيد المشهد الإقليمي وتداخل الصراعات، إضافة إلى الاعتماد النسبي على الدعم الخارجي في بعض المجالات الأمنية.
خاتمة
يُظهر الدور الذي تلعبه تشاد في منطقة الساحل الإفريقي أنها ليست مجرد دولة متأثرة بعدم الاستقرار، بل فاعل أمني رئيسي يسعى إلى المساهمة في إدارة الأزمات الإقليمية. غير أن استدامة هذا الدور تظل مرهونة بقدرة تشاد على تحقيق توازن دقيق بين الأمن والتنمية، وبين الالتزامات الإقليمية والأولويات الوطنية.
ويبقى مستقبل الأمن في الساحل الإفريقي مرتبطًا إلى حد كبير بمدى قدرة تشاد وشركائها على الانتقال من منطق الاستجابة الأمنية المؤقتة إلى بناء استقرار طويل الأمد قائم على التنمية، والحوكمة الرشيدة، والتكامل الإقليمي الحقيقي.
تعليقات
إرسال تعليق