القائمة الرئيسية

الصفحات

بن غوريون تشاد ، غابرييل ليزيت: الرجل الذي صنع استقلال تشاد ثم أُقصي في لحظة الميلاد

غابرييل ليزيت: مهندس استقلال تشاد الذي أُقصي عند فجره 



مقدمة

يُعد غابرييل فرانسيسكو ليزيت (1919-2001) شخصية سياسية مركزية ومفصلية في تاريخ تشاد الحديث. بصفته إداريًا استعماريًا سابقًا من أصول أفريقية-كريبولية، لعب دورًا حاسمًا في قيادة البلاد نحو الحكم الذاتي والاستقلال، قبل أن يتم إقصاؤه بشكل دراماتيكي عن الساحة السياسية على يد منافسه الرئيسي، فرانسوا تومبالباي، في اللحظة التي نالت فيها تشاد سيادتها. يستعرض هذا التقرير المفصل مسيرة ليزيت، منذ نشأته وتعليمه، مرورًا بصعوده السياسي السريع ورؤيته للتحرر، وصولًا إلى تفاصيل صراعه مع تومبالباي وإبعاده عن السلطة، وإرثه الجدلي في ذاكرة تشاد اليوم.

النشأة والتعليم: من بنما إلى باريس

وُلد غابرييل ليزيت في 2 أبريل 1919 في بورتوبيلو، بنما، لعائلة تعود أصولها إلى جوادلوب. تلقى تعليمه الأولي في مدرسة ليسيه كارنو في بوانت-آه-بيتر بجوادلوب، ثم انتقل إلى باريس لمتابعة دراسته في مدرسة ليسيه هنري الرابع المرموقة.

في عام 1941، التحق بالمدرسة الوطنية الفرنسية لما وراء البحار، وهي المؤسسة التي كانت تُعِدّ الكوادر الإدارية للمستعمرات الفرنسية. بعد تخرجه، بدأ مسيرته كإداري ودبلوماسي، حيث شغل منصب نائب مدير الشؤون السياسية في حكومة أفريقيا الاستوائية الفرنسية في برازافيل بين عامي 1944 و1946. انتقل بعدها إلى تشاد ليعمل كمساعد لرئيس مقاطعة لوغون بين عامي 1946 و1947.

الصعود السياسي ورؤية التحرر السلمي

التجربة الميدانية وتأسيس الحزب التقدمي التشادي (PPT)

  • تكوين الوعي السياسي: خلال فترة عمله القصيرة في مقاطعة لوغون، أتاحت له تجربته الإدارية الميدانية احتكاكًا مباشرًا بواقع وظروف السكان المحليين. هذه التجربة عززت قناعته بضرورة منح المستعمرات الفرنسية حق تقرير المصير، ودفعته للانخراط في العمل السياسي. وقد تجلى نضاله في مواقف مبكرة، حيث عارض التمييز الذي يتعرض له السكان الأفارقة، واحتج على حرمانهم من مواد أساسية مثل الدقيق والسكر والحليب.
  • التأسيس والانتماء: انضم ليزيت إلى التجمع الديمقراطي الأفريقي، وهو حركة سياسية أفريقية واسعة أسسها فيليكس هوفويت-بوانيي للنضال من أجل إنهاء الاستعمار. وفي ديسمبر 1946، أسس ليزيت الحزب التقدمي التشادي، الذي أصبح في فبراير 1947 الفرع المحلي للتجمع في تشاد، ويُعتبر أول حزب سياسي حديث في البلاد.
  • القاعدة الشعبية: سرعان ما أصبح الحزب القوة السياسية المهيمنة في جنوب البلاد، الذي تقطنه أغلبية مسيحية ومؤمنة بالديانات الإحيائية، مستقطبًا بشكل خاص الموظفين والمزارعين والمثقفين من غير المسلمين. قاد الحزب للفوز في انتخابات الجمعية الإقليمية عام 1957 وتشكيل أول حكومة أفريقية في تشاد.

نائب مؤثر في باريس وقائد في حركة التحرر الأفريقية

لم تمنعه أصوله غير الأفريقية من تحقيق نجاح سياسي لافت. ففي 10 نوفمبر 1946، انتُخب نائبًا عن تشاد في الجمعية الوطنية الفرنسية، ليصبح أحد أصغر النواب في المجلس آنذاك. خلال عضويته التي استمرت حتى عام 1959، برز ليزيت كصوت قوي ومدافع شرس عن حقوق الأفارقة، حتى لُقّب بـ "جوريس الأسود" لبلاغته، في إشارة إلى السياسي الاشتراكي الفرنسي الشهير جان جوريس.

  • مناصب قيادية في التجمع الديمقراطي الأفريقي: كان ليزيت شخصية محورية في الحركة الأفريقية الأوسع، حيث شغل مناصب قيادية متعددة داخل التجمع، بما في ذلك الأمين العام، والسكرتير الإداري، ونائب الرئيس، ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب في الجمعية الوطنية الفرنسية.
  • رفيق هوفويت-بوانيي: وُصفت علاقته بمؤسس التجمع، فيليكس هوفويت-بوانيي، بأنها علاقة "رفيق". عملا معًا بشكل وثيق لتعزيز رؤية مشتركة لإنهاء الاستعمار بشكل تدريجي وسلمي، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع فرنسا في إطار اتحاد ما وراء البحار. لاحقًا، شغل ليزيت منصب نائب رئيس مؤسسة فيليكس هوفويت-بوانيي.
  • رؤية للتحرر السلمي: كان ليزيت جزءًا من جيل السياسيين الأفارقة الذين عملوا ضمن الإطار الفرنسي للدفع نحو "اتحاد فرنسي قائم على المساواة في الحقوق والواجبات". وكان دوره حاسمًا في صياغة "قانون الإطار" لعام 1956، الذي منح المستعمرات حكمًا ذاتيًا واسعًا. كما عمل مع هوفويت-بوانيي وليوبولد سنغور وفيلبير تسيرانانا ضمن مجموعة عمل لوضع مواد الدستور الفرنسي الجديد التي تنظم "المجتمع الفرنسي". وقد وثّق هذه الرؤية لاحقًا في كتابه "نضال التجمع الديمقراطي الأفريقي من أجل إنهاء الاستعمار السلمي لأفريقيا السوداء".

توالت نجاحاته السياسية في تشاد بسرعة، حيث انتُخب عمدة لمدينة فور لامي (نجامينا حاليًا) عام 1956، ثم نائبًا لرئيس المجلس الحكومي عام 1957، وبلغ ذروة مسيرته في نوفمبر 1958 عندما انتُخب رئيسًا لأول حكومة تتمتع بالحكم الذاتي في تشاد، مما وضعه في موقع يؤهله ليصبح أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال.

الأرشيف البصري: لمحات من مسيرة حافلة

  • صور فوتوغرافية: تتوفر مجموعة من الصور التي تخلد لحظات مهمة، مثل صور له خلال حفل توءمة مدينة فور لامي مع مدينة بايون الفرنسية عام 1959، وصور رسمية له من عامي 1959 و1960 محفوظة في أرشيفات متخصصة، وصور له خلال زيارته للأراضي المقدسة عام 1960. كما توجد صورة تاريخية تجمعه بقادة التجمع الديمقراطي الأفريقي مثل هوفويت-بوانيي وموديبو كيتا في باماكو عام 1957.
  • مواد سمعية وبصرية: يشير أرشيف المعهد الوطني السمعي البصري الفرنسي إلى وجود لقطات فيديو مسجلة له، حيث شارك كشاهد في فيلم وثائقي بعنوان "الحياة اليومية تحت الاستعمار".

الخصومة مع تومبالباي والإقصاء عن السلطة

من التحالف إلى الصراع

في البداية، تنحى ليزيت عن قيادة الحزب ليسمح لتومبالباي، التشادي المولد، بتولي زمام الأمور. لكن بذور الخلاف بدأت بالظهور مع إصلاحات "قانون الإطار" لعام 1956، التي أججت التنافس السياسي والطموحات الشخصية.

مناورات تومبالباي للاستيلاء على السلطة

  • ورقة "الأصل الأجنبي": كانت أصول ليزيت البنمية نقطة ضعف قاتلة. نجح تومبالباي في حشد الدعم بتقديم نفسه كزعيم "أصلي"، وعقد تحالفًا استراتيجيًا مع الأحزاب الإسلامية في الشمال، وعلى رأسها الحزب الوطني الأفريقي، التي كانت تفضل التعامل معه على التعامل مع ليزيت "الأجنبي". يرى المؤرخون أن هذه الخطوة كانت "أول تعبير عن استراتيجية" استغلال الانقسام بين شمال البلاد وجنوبها لتحقيق مكاسب سياسية، وهي استراتيجية كلفت البلاد غاليًا في العقود التالية.
  • الإطاحة من السلطة: نتيجة لهذه المناورات، سقطت حكومة ليزيت في فبراير 1959. وفي مارس 1959، نجح تومبالباي في إزاحة ليزيت من رئاسة الحزب التقدمي التشادي، ليصبح الزعيم الفعلي للحكومة. تولى تومبالباي رئاسة الوزراء في يونيو 1959، بينما قبل ليزيت منصب نائب رئيس الوزراء. وفي نفس العام، تم تعيين ليزيت، إلى جانب هوفويت-بوانيي وسنغور، "وزيرًا مستشارًا" في حكومة ميشيل دوبريه الفرنسية، مما يعكس مكانتهم كحلفاء لفرنسا.

"الانقلاب بالبرقية" والنفي

جاءت الضربة القاضية في أغسطس 1960. فبينما كانت تشاد تحتفل باستقلالها الذي أُعلن في 11 أغسطس، كان غابرييل ليزيت، بصفته نائبًا لرئيس الوزراء، في مهمة رسمية في إسرائيل. استغل تومبالباي غيابه وأرسل إليه برقية تمنعه من العودة إلى تشاد. بالتزامن مع ذلك، أصدر في 19 أغسطس 1960 مرسومًا يجرده من جنسيته التشادية وجميع مناصبه، ويعلن أنه "غير مواطن"، فيما عُرف بـ "الانقلاب بالبرقية". برر تومبالباي فعلته باتهام ليزيت بمحاولة "تخريب" احتفالات الاستقلال والاستئثار بالاهتمام في باريس.

بعد إحكام قبضته، أعلن تومبالباي تشاد دولة الحزب الواحد في عام 1962 واتخذ نهجًا استبداديًا، مما فاقم التوترات بين شمال البلاد وجنوبها.

الحياة في المنفى والإرث الجدلي

أُجبر ليزيت على العيش في المنفى في فرنسا، حيث استمر في شغل منصب "وزير مستشار" في الحكومة الفرنسية حتى مايو 1961، في خطوة ربما كانت تهدف لاحتوائه سياسيًا.

  • العمل الإنساني والكتابة: في عام 1976، أسس جمعية "SMODOM" (الجمعية التعاضدية لمواطني أقاليم ما وراء البحار).

توفي غابرييل ليزيت في 3 مارس 2001 في مدينة دوفينيه، بالقرب من باريس في فرنسا، عن عمر ناهز 82 عامًا.

تعليقات