ملحمة المارشال إدريس ديبي إتنو: ثلاثون عاماً من الحكم بين العسكرة والشرعية الدولية
شاهد الفيديو التوثيقي ثم اقرأ التحليل الشامل لتجربة حكم استثنائية في قلب إفريقيا
لم يكن المارشال إدريس ديبي إتنو (1952-2021) مجرد رئيس عابر في تاريخ تشاد، بل كان نظام حكم متكامل، ظاهرة سياسية-عسكرية تشكلت في قلب الصحراء الإفريقية، وامتدت آثارها لتشكل توازنات إقليمية معقدة استمرت ثلاثة عقود كاملة من الزمن.
البداية: من الضابط المنفي إلى سدة الرئاسة
وُلِد ديبي في قرية فادا بإقليم إنيدي الشمالي عام 1952، وتدرج في السلك العسكري حتى أصبح قائداً للجيش التشادي خلال حكم حسين حبري. كانت نقطة التحول عام 1989 عندما اضطر للفرار إلى ليبيا بعد اتهامه بالتآمر، ليبدأ من هناك رحلة العودة بقوة السلاح.
في ديسمبر 1990، نجح ديبي في الإطاحة بحبري بمساعدة ليبية، معلناً نفسه رئيساً للبلاد. ما ميّزه عن سابقيه لم يكن طريقة الوصول للسلطة، بل استراتيجية البقاء فيها. فقد فهم أن تشاد - بتركيبتها القبلية المعقدة وحدودها المتوترة - لا تُحكم بالخطابات السياسية، بل بتوازنات دقيقة بين السلاح والمال والتحالفات العابرة للحدود.
الهيكلة الداخلية: الدولة كثكنة عسكرية
بنى ديبي نظاماً شديد المركزية، جاعلاً من المؤسسة العسكرية العمود الفقري للحكم. وقد تجلى ذلك في:
- تضخم الميزانية العسكرية: حيث شكلت ما يقارب 30% من الميزانية العامة للدولة
- عسكرة الإدارة: تعيين ضباط عسكريين في مناصب حكومية مدنية حساسة
- تأسيس الحرس الجمهوري الخاص: قوة نخبوية موالية له شخصياً تفوقت على الجيش النظامي
- سيطرة العائلة: توزيع المناصب الأمنية على أفراد عائلته ومقربيه
هذا النموذج وفّر استقراراً أمنياً نسبياً في بلد عانى من 15 انقلاباً ومحاولة انقلابية منذ الاستقلال عام 1960، لكنه دفع ثمناً باهظاً على مستوى بناء المؤسسات المدنية وتأجيل مسألة التداول السلمي للسلطة إلى أجل غير مسمى.
السياسة الخارجية: شرطي الساحل وحليف الغرب الاستراتيجي
أدرك ديبي مبكراً أن بقاءه مرتبط بدوره الإقليمي. مع تفاقم أزمة الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي بعد 2012، تحول إلى شريك لا غنى عنه للقوى الغربية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة.
محطات الدور الإقليمي البارزة:
1. التدخل في مالي (2013): أرسل ديبي 2000 جندي تشادي إلى شمال مالي، لعبوا دوراً حاسماً في تحرير مدن كيدال وتمبكتو من سيطرة الجماعات المتطرفة. خسرت تشاد في هذه المعارك 36 جندياً، لكنها كسبت شرعية دولية غير مسبوقة.
2. المشاركة في قوة الساحل المشتركة: أصبحت تشاد العمود الفقري لقوة G5 الساحل، حيث قدمت أكبر مساهمة عسكرية وتدريبية.
3. الاستضافة العسكرية: سمحت تشاد بإنشاء قواعد عسكرية فرنسية (قاعدة كوسيرو) وأمريكية في أراضيها، محولة إنجامينا إلى مركز استخباراتي وإقليمي.
هذا التحول الاستراتيجي جعل من بقاء ديبي مصلحة دولية تتجاوز الحدود التشادية، فسقط نظامه من حسابات "الرئيس الديكتاتور" إلى خانة "الشريك الاستراتيجي" في الملف الأمني العالمي.
الاقتصاد: بين ثروة النفط وواقع الفقر
شهدت تشاد مع اكتشاف النفط عام 2003 تحولاً اقتصادياً ظاهرياً. قفز الناتج المحلي من 1.6 مليار دولار عام 2000 إلى 11 مليار دولار عام 2014، لكن هذه الثروة لم تترجم إلى تنمية حقيقية للأسباب التالية:
- الفساد الهيكلي: تحكم النخبة الحاكمة في العقود والصفقات الكبرى
- هيمنة العسكرة: توجيه معظم العائدات النفطية لتمويل الأجهزة الأمنية
- التبعية للنفط: حيث شكل 90% من الصادرات و60% من الإيرادات الحكومية
- غياب التنويع: إهمال الزراعة والثروة الحيوانية التقليدية
ظلت تشاد تحتل المرتبة 187 من أصل 189 دولة في مؤشر التنمية البشرية عام 2020، مع نسبة فقر تتجاوز 42%، وهو تناقض صارخ بين ثروة البلاد وحال سكانها.
إدارة التنوع: المشهد القبلي الهش
تمثل تشاد فسيفساء معقدة من أكثر من 200 مجموعة إثنية ولغوية. تعامل ديبي مع هذا التنوع عبر سياسة ذكية لكنها هشة:
- الاعتماد على الزغاوة: تعزيز نفوذ قبيلته الأم مع إشراك محدود لقبائل أخرى
- توزيع المناصب الشكلية: منح مناصب وزارية لتمثيل رمزي لمناطق الجنوب
- سياسة "فرق تسد": لعب التناقضات القبلية لصالح استمرارية النظام
- قمع أي تحالف قبلي معارض: عبر التدخل العسكري المباشر
نهاية الملحمة: الموت في ساحة المعركة
في 20 أبريل 2021، قُتل ديبي أثناء زيارته للقوات المقاتلة على الجبهة الشمالية، لتنتهي بذلك ملحمة حكم استمرت 31 عاماً. كانت وفاته لحظة فارقة تحمل دلالات عميقة:
- استمرارية منطق العنف: مات بنفس الآلية التي وصل بها إلى السلطة
- هشاشة النموذج: انكشاف ضعف النظام رغم مظاهر القوة
- أزمة الخلافة: انتقال السلطة لابنه محمد في مشهد يكرس الحكم العائلي
- تساؤلات المستقبل: مصير الدور الإقليمي لتشاد بعد غياب الرجل
الدروس المستفادة: إرث معقد وتقييم تاريخي
تقدم تجربة ديبي دروساً بالغة الأهمية لفهم ديناميكيات الحكم في إفريقيا ما بعد الاستعمار:
الإنجازات النسبية:
- استقرار أمني غير مسبوق في تاريخ تشاد الحديث
- دور إقليمي مؤثر عزز مكانة البلاد
- جذب استثمارات نفطية غيرت الخريطة الاقتصادية
- بناء جيش محترف أصبح الأقوى في المنطقة
الإخفاقات البنيوية:
- تفشي الفساد كممارسة مؤسسية
- تهميش المؤسسات الديمقراطية والمدنية
- فشل التنمية البشرية رغم الموارد
- تأجيل بناء هوية وطنية جامعة
الخلاصة: بين ضرورة المرحلة وثمن الاستمرار
تبقى تجربة إدريس ديبي إتنو مرآة عاكسة لإشكالية الحكم في دول هشة الهوية والمؤسسات. لقد نجح حيث فشل كثيرون: في البقاء والاستمرار وإدارة الصراع. لكنه فشل حيث كان الأمل معقوداً: في بناء دولة المؤسسات، وتحقيق تنمية شاملة، وترسيخ شرعية ديمقراطية.
قصة ديبي ليست مجرد سيرة شخص، بل هي سردية كاملة لمرحلة انتقالية في التاريخ الإفريقي، حيث تتصارع ضرورات الاستقرار الأمني مع متطلبات بناء الدولة الحديثة. وهي تذكير بأن المسار من الدولة الفاشلة إلى الدولة القوية يمر عبر محطات وسيطة قد تطول، تختلط فيها الإنجازات بالإخفاقات، والضرورة بالمبدأ، والبقاء بالشرعية.
إرث ديبي سيبقى موضوع دراسة وتحليل لأجيال قادمة، نموذجاً لتعقيدات الحكم في فضاء إفريبي لا تزال الدولة فيه مشروعاً تحت الإنشاء، والسيادة فيه معركة يومية، والشرعية فيه سؤالاً مفتوحاً على كل الاحتمالات.
© جميع الحقوق محفوظة للمدونة | تحليل سياسي بتاريخ مايو 2024
تعليقات
إرسال تعليق