كيف تُصنع المناصب السياسية في تشاد؟ قراءة في البرلمان والسلطة والواقع
في السنوات الأخيرة، بات الحديث عن السياسة في تشاد محفوفًا بالكثير من الحساسية، ليس بسبب خطورة الموضوع فحسب، بل لأن الفجوة بين ما يُكتب في النصوص القانونية وما يُمارس على أرض الواقع اتسعت إلى درجة يصعب تجاهلها. هذا المقال لا يستهدف أشخاصًا بعينهم، ولا يسعى إلى التشهير أو الاتهام المباشر، بل يحاول تفكيك آلية سياسية قائمة، كما هي، وبالاعتماد على مشاهدات ميدانية وتجارب واقعية.
البرلمان كنقطة دخول للفهم
يُعد البرلمان في أي دولة واجهة ديمقراطية تعكس إرادة الشعب من خلال الانتخابات. نظريًا، يقوم الناخب باختيار ممثله، ويصل المرشح الفائز بناءً على عدد الأصوات التي حصدها. لكن في السياق التشادي، كثيرًا ما يتحول البرلمان من مؤسسة تمثيلية إلى نموذج تفسيري لفهم طبيعة اشتغال السلطة السياسية.
من خلال المشاركة المباشرة في حملات انتخابية برلمانية، يتضح أن العملية تبدأ بشكل طبيعي: حملات، ترويج، لقاءات جماهيرية، وبرامج انتخابية. غير أن هذه الصورة لا تستمر حتى النهاية. ففي لحظة حاسمة، يتغير مسار المنافسة، لا بفعل الصندوق الانتخابي، بل بفعل عوامل أخرى أكثر تأثيرًا.
المال كعامل حاسم
أول هذه العوامل هو المال. في حالات عديدة، يصبح السؤال الحقيقي في يوم الانتخابات أو ما قبله: كم يستطيع المرشح أن يدفع؟ لا يتعلق الأمر فقط بشراء أصوات ناخبين، بل بتغذية شبكة كاملة من المصالح، تبدأ من القاعدة ولا تنتهي عند مستويات أعلى.
في هذا السياق، قد يُقصى مرشح يتمتع بشعبية حقيقية وحضور ميداني قوي، فقط لأنه لم يكن قادرًا على مجاراة منافسه ماليًا. بينما يفوز آخر، ليس لأنه الأفضل تمثيلًا أو الأكثر قبولًا شعبيًا، بل لأنه الأكثر قدرة على الدفع. هنا يتحول المنصب البرلماني من تكليف سياسي إلى سلعة قابلة للتداول.
العلاقات والنفوذ: ما وراء الصندوق
العامل الثاني، وربما الأخطر، هو شبكة العلاقات. فالقرب من مراكز التأثير واتخاذ القرار يمكن أن يقلب النتائج رأسًا على عقب. في بعض الحالات، تُظهر نتائج الفرز الأولي فوز مرشح معين، مدعومًا بإرادة شعبية واضحة، لكن النتيجة النهائية تعلن فوز مرشح آخر.
هذا التناقض لا يُفسَّر بالخطأ التقني، بل بقوة العلاقات والنفوذ. وهنا نفهم أن الانتخابات، في بعض السياقات، ليست سوى إجراء شكلي يضفي شرعية على نتائج تم ترتيبها مسبقًا.
إلغاء المنافسة قبل بدايتها
العامل الثالث أكثر تعقيدًا ودهاءً، ويتمثل في إلغاء المنافسة من الأساس. كيف يحدث ذلك؟ ببساطة عبر بناء كتل انتخابية مغلقة. يقوم بعض الفاعلين السياسيين بالعمل لسنوات طويلة على تجميع فئة معينة من المجتمع: شباب، منطقة جغرافية، قبيلة، أو حتى فئة مهنية.
مع مرور الوقت، تتحول هذه الفئة إلى كتلة متماسكة، لها قائد واحد وممثل واحد. وعند حلول موعد الانتخابات، لا يجد هذا الممثل منافسًا حقيقيًا، لأن القاعدة الانتخابية قد تم احتكارها مسبقًا. في هذه الحالة، تصبح الانتخابات إجراءً شكليًا، لا معركة سياسية.
البنية الاجتماعية ودورها في السياسة
لا يمكن فهم هذا الواقع دون التطرق إلى البنية الاجتماعية في تشاد، التي تقوم إلى حد كبير على الانتماءات القبلية والمناطقية والكتلية. هذه البنية، حين تُستثمر سياسيًا، تتحول إلى أداة فعالة للوصول إلى السلطة.
حتى فئة المغتربين، التي يُفترض أنها بعيدة عن المشهد الداخلي، يمكن تنظيمها وتحويلها إلى كتلة ضغط انتخابية، سواء من خلال العودة المؤقتة أو التأثير غير المباشر. وهكذا تتوسع رقعة اللعبة السياسية خارج الحدود الجغرافية للدولة.
من البرلمان إلى باقي المناصب
البرلمان ليس حالة استثنائية. نفس الآليات تُستخدم في الوصول إلى مناصب أخرى: عضو مجلس شيوخ، وزير، نائب وزير، مدير عام، أو نائب مدير. جميعها تخضع، بدرجات متفاوتة، لمعادلة واحدة: المال، العلاقات، وبناء النفوذ طويل الأمد.
يمكن وصف هذا الواقع بأنه “سوق وظائف فاخر”، مخصص لطبقة محددة تمتلك الأدوات اللازمة للدخول فيه. ولا يعني ذلك أن الطريق مغلق تمامًا أمام الآخرين، لكنه طريق طويل يتطلب تخطيطًا مبكرًا واستثمارًا مستمرًا.
المجتمع المدني كمرحلة انتقالية
يلفت الانتباه أيضًا مسار بعض الفاعلين في المجتمع المدني. يظهرون في البداية كنشطاء، يقودون مبادرات، ويؤثرون في الرأي العام. لكن ما إن يحصلوا على منصب رسمي، حتى يختفوا من المشهد العام.
هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول وظيفة النشاط المدني: هل هو غاية بحد ذاته، أم مجرد مرحلة انتقالية للوصول إلى السلطة؟ في كثير من الحالات، يبدو أنه الخيار الثاني.
الوجوه المألوفة وإعادة التدوير
من السمات البارزة للنظام السياسي في تشاد تفضيل الوجوه المألوفة. حتى في فترات التقشف والأزمات الاقتصادية، قد يتم تسريح عدد من المسؤولين، لكن عند تحسن الأوضاع، تعود نفس الوجوه إلى الواجهة.
أحيانًا لا يعود الشخص إلى نفس المنصب، بل يُنقل إلى منصب آخر، أو يُستحدث له موقع جديد. أما الوجوه الجديدة، فعادة ما تكون مرتبطة بشخصيات قديمة، نادرًا ما تظهر مستقلة تمامًا.
خلاصة المقياس السياسي
لفهم كيفية الوصول إلى المناصب في تشاد، يمكن تلخيص المقياس في ثلاث خطوات واضحة: أولًا المال، ثانيًا العلاقات، وثالثًا بناء الكتلة الانتخابية أو الاجتماعية على المدى الطويل. هذه المعادلة، رغم قسوتها، تفسر الكثير من الظواهر السياسية والإدارية.
هذا التحليل لا يهدف إلى إحباط القارئ أو تبرير الواقع، بل إلى تقديم فهم واقعي لكيفية اشتغال السلطة. فالفهم هو الخطوة الأولى لأي محاولة تغيير، سواء من داخل النظام أو من خارجه.
نحو وعي سياسي أعمق
السياسة في تشاد، كما في كثير من الدول، ليست مجرد نصوص دستورية أو قوانين انتخابية، بل شبكة معقدة من المصالح والعلاقات والموارد. إدراك هذه الحقيقة يساعد على قراءة الأحداث بشكل أدق، بعيدًا عن السطحية أو التبسيط المخل.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن كسر هذه الحلقة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ دائمًا بالوعي، وبالقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، وفهم الواقع كما هو، لا كما نحب أن يكون.

تعليقات
إرسال تعليق